تحذير من التوسع الإسرائيلي في مجال الطاقة وتداعياته على الدول العربية
حذرت مقالة رأي نشرتها شبكة الجزيرة الإنجليزية من التوسع الإسرائيلي المتزايد في مجال الطاقة، وخاصة صادرات الغاز الطبيعي، إلى الدول العربية، معتبرةً إياه استراتيجية “هيمنة” تهدف إلى خلق شبكة من التبعية وتقويض السيادة العربية. وأشارت المقالة إلى أن الصراع الأخير في غزة، وما تبعه من توقف مؤقت لحقل غاز “تمار” الإسرائيلي، كشف عن مدى هشاشة هذا الاعتماد وتداعياته المحتملة على الأمن الطاقوي والاستقلال الاستراتيجي للدول المستوردة.
خلفية الحدث
شهدت إسرائيل تحولاً جذرياً في وضعها الطاقوي خلال العقد الماضي، فبعد أن كانت دولة مستوردة للطاقة، أصبحت مصدراً رئيسياً للغاز الطبيعي بفضل اكتشاف حقول ضخمة مثل “تمار” و”ليفياثان” في شرق البحر الأبيض المتوسط. هذا التحول مكّن إسرائيل من تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز وبدء تصديره إلى دول الجوار، مما فتح آفاقاً جديدة للتعاون الإقليمي، خاصة في أعقاب توقيع اتفاقيات أبراهام للتطبيع مع بعض الدول العربية. وقد عززت هذه الاتفاقيات الطموح الإسرائيلي لتصبح مركزاً إقليمياً للطاقة، مستغلة موقعها الجغرافي واحتياطياتها الكبيرة من الغاز.
تعتبر هذه التطورات جزءاً من استراتيجية إسرائيلية أوسع لتعزيز نفوذها الجيوسياسي والاقتصادي في المنطقة. فمن خلال توفير الغاز الطبيعي للدول المجاورة، تسعى إسرائيل إلى بناء علاقات قوية وخلق مصالح مشتركة، مما يخدم أهدافها الأمنية والسياسية. وقد أشار الكاتب مروان بشارة في مقالته إلى أن هذا التوسع ليس مجرد مبادرة تجارية، بل هو جزء من رؤية استراتيجية أعمق تهدف إلى ترسيخ مكانة إسرائيل كقوة إقليمية مهيمنة.
تفاصيل ما حدث
تُعد مصر والأردن من أبرز الدول العربية التي تعتمد على الغاز الإسرائيلي. ففي حالة مصر، تستورد القاهرة الغاز الإسرائيلي عبر خط أنابيب EMG، ثم تقوم بإسالته وإعادة تصديره كغاز طبيعي مسال (LNG) إلى أوروبا، مما يعزز دورها كمركز إقليمي للطاقة. أما الأردن، فيستورد الغاز الإسرائيلي عبر خط أنابيب يربط بين حقل “أراد” و”سدوم”، لتلبية جزء كبير من احتياجاته من الطاقة. وقد أدت هذه الترتيبات إلى زيادة الاعتماد على إسرائيل كمصدر حيوي للطاقة في كلا البلدين.
كشفت الأحداث الأخيرة، وتحديداً الصراع في غزة الذي اندلع في أكتوبر 2023، عن هشاشة هذا الاعتماد. فمع تصاعد التوترات الأمنية، أعلنت إسرائيل عن إغلاق مؤقت لحقل غاز “تمار”، وهو أحد المصادر الرئيسية للغاز المصدر إلى مصر والأردن، كإجراء احترازي. وقد أثر هذا الإغلاق بشكل مباشر على إمدادات الغاز، مما دفع مصر إلى استيراد الغاز الطبيعي المسال بأسعار أعلى لتلبية احتياجاتها المحلية والتزاماتها التصديرية، بينما واجه الأردن احتمالية نقص في إمدادات الطاقة. وقد سلطت هذه الحادثة الضوء على المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية المرتبطة بالاعتماد المفرط على مصدر واحد للطاقة، خاصة في منطقة تشهد تقلبات أمنية مستمرة.
كيف غطت وسائل الإعلام الحدث
تناولت مقالة رأي نشرتها شبكة الجزيرة الإنجليزية للكاتب مروان بشارة، بعنوان “على الدول العربية أن تحذر من التوسع الطاقوي الإسرائيلي المهيمن”، هذه التطورات من منظور نقدي وتحذيري. وقد أكدت المقالة، المنشورة بتاريخ 21 مارس 2026، أن التوسع الإسرائيلي في مجال الطاقة ليس مجرد تعاون اقتصادي، بل هو استراتيجية “هيمنة” تهدف إلى خلق “شبكة من التبعية” بين الدول العربية وإسرائيل. وحذرت المقالة من أن هذا الاعتماد قد يقوض السيادة العربية ويجعل هذه الدول عرضة للضغوط السياسية الإسرائيلية.
أبرز الكاتب في مقالته كيف أن اتفاقيات أبراهام قد سهلت هذا التوسع، وكيف أن إسرائيل تستخدم الغاز كأداة لتعزيز نفوذها الجيوسياسي. وأشار إلى أن “حرب إيران” (في إشارة إلى الصراع الأوسع في المنطقة وتداعياته) كشفت عن نقاط الضعف الكامنة في هذا الاعتماد، خاصة بعد توقف حقل “تمار”، مما أظهر كيف يمكن أن تتحول الطاقة إلى أداة ضغط في أوقات الأزمات. كما انتقد الكاتب ما وصفه بـ”نوم” الدول العربية في هذا الفخ، حيث تضع المصالح الاقتصادية قصيرة المدى فوق الاعتبارات الاستراتيجية طويلة المدى، محذراً من أن هذا قد يكون “صفقة فاوستية” تكلفها استقلالها على المدى الطويل. يمكن الاطلاع على المقالة الأصلية عبر الرابط التالي: Al Jazeera English.
التداعيات المحتملة
يحمل التوسع الإسرائيلي في مجال الطاقة، والاعتماد العربي المتزايد عليه، تداعيات استراتيجية وجيوسياسية عميقة على المنطقة. فمن ناحية، قد يؤدي هذا الاعتماد إلى زيادة النفوذ الإسرائيلي في الشؤون الداخلية والخارجية للدول المستوردة، مما يحد من قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة، خاصة في القضايا المتعلقة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي. كما يمكن أن تتحول الطاقة إلى سلاح في أوقات الأزمات، حيث يمكن لإسرائيل استخدامها للضغط على الدول التي تعتمد عليها، كما حدث جزئياً مع توقف حقل “تمار”.
من ناحية أخرى، قد يؤثر هذا الاعتماد على التضامن العربي، حيث قد تجد الدول المستوردة للغاز الإسرائيلي نفسها في موقف صعب عند محاولة اتخاذ مواقف موحدة تجاه القضايا الإقليمية. وقد دعا الكاتب مروان بشارة الدول العربية إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الطاقوية وتنويع مصادرها لضمان أمنها الطاقوي واستقلالها الاستراتيجي. فعدم اتخاذ خطوات استباقية في هذا الاتجاه قد يجعل هذه الدول عرضة للمزيد من التبعية والضغوط في المستقبل، مما يهدد استقرارها وأمنها القومي على المدى الطويل.
الخلاصة
تُشكل صادرات الغاز الإسرائيلية المتزايدة إلى الدول العربية محور نقاش استراتيجي مهم، حيث يرى البعض فيها فرصة للتعاون الإقليمي، بينما يحذر آخرون، كما هو الحال في مقالة الجزيرة الإنجليزية، من كونها أداة لتعزيز الهيمنة الإسرائيلية وخلق تبعية خطيرة. وقد كشفت الأحداث الأخيرة، وتحديداً توقف حقل “تمار”، عن المخاطر الكامنة في هذا الاعتماد، مما يستدعي من الدول العربية مراجعة شاملة لسياساتها الطاقوية. إن تحقيق الأمن الطاقوي لا يقتصر على تأمين الإمدادات فحسب، بل يمتد ليشمل ضمان الاستقلال الاستراتيجي والقدرة على اتخاذ القرارات السيادية بعيداً عن أي ضغوط خارجية محتملة.
nrd5 Free newspaper