الأسلحة والتكتيكات الروسية تعيد تشكيل مسار الحرب الأهلية في ميانمار
تشير تقارير حديثة إلى أن الأسلحة الروسية والتكتيكات العسكرية المستوحاة من حرب أوكرانيا تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل مسار الحرب الأهلية المستمرة في ميانمار. فبعد مرور ست سنوات على اندلاع الصراع، يبدو أن الدعم الروسي، الذي يشمل القوة الجوية المتقدمة والاستخبارات والتكتيكات الميدانية، يعزز بشكل كبير قدرات الحكومة العسكرية في ميانمار، المعروفة باسم “تاتماداو”، في مواجهة قوات المقاومة المتنامية.
خلفية الحدث
تشهد ميانمار، الواقعة في جنوب شرق آسيا، حربًا أهلية طاحنة منذ الانقلاب العسكري الذي وقع في فبراير 2021، والذي أطاح بالحكومة المنتخبة ديمقراطيًا. وقد أدى هذا الانقلاب إلى تصاعد المقاومة المسلحة ضد المجلس العسكري، حيث تشكلت “قوات الدفاع الشعبي” (PDFs) إلى جانب “المنظمات العرقية المسلحة” (EAOs) التي تقاتل الحكومة المركزية منذ عقود. يواجه المجلس العسكري تحديات كبيرة، بما في ذلك خسائر إقليمية واسعة ونقص في القوى البشرية وتدهور الروح المعنوية بين صفوفه، مما يجعله يعتمد بشكل متزايد على التفوق الجوي والتقني للحفاظ على سيطرته.
في هذا السياق، برزت روسيا كأحد أبرز الداعمين للمجلس العسكري في ميانمار، لتصبح المورد الرئيسي للأسلحة والمعدات العسكرية. وقد تعمقت العلاقات بين البلدين بشكل ملحوظ منذ الانقلاب، حيث زار قائد المجلس العسكري، مين أونغ هلاينغ، روسيا عدة مرات، مما يؤكد الشراكة الاستراتيجية بين نظامين يواجهان عزلة دولية متزايدة. ترى روسيا في ميانمار شريكًا استراتيجيًا في المنطقة وسوقًا مهمًا لأسلحتها، بينما يجد المجلس العسكري في موسكو شريان حياة عسكريًا حيويًا.
تفاصيل ما حدث
وفقًا لتقرير نشرته قناة الجزيرة الإنجليزية، فإن الأسلحة والتكتيكات الروسية أصبحت عاملًا محوريًا في الحرب الأهلية بميانمار. يشير التقرير إلى أن المجلس العسكري يستخدم طائرات مقاتلة روسية متطورة، مثل طائرات سو-30 (Su-30) والمروحيات الهجومية من طراز مي-35 (Mi-35)، والتي توفر له تفوقًا جويًا حاسمًا. كما يعتمد المجلس العسكري على الذخائر الموجهة بدقة والقنابل الانزلاقية، التي أثبتت فعاليتها في استهداف مواقع المقاومة، مما يقلل من الحاجة إلى القوات البرية.
إلى جانب الأسلحة، تستفيد قوات المجلس العسكري من التكتيكات التي طورتها روسيا أو صقلتها في حرب أوكرانيا. تشمل هذه التكتيكات استخدام “موجات بشرية” في الهجمات، وعمليات الأسلحة المشتركة، والضربات العميقة، بالإضافة إلى الاستخدام المكثف للطائرات المسيرة للاستطلاع وتحديد الأهداف. وقد تم تدريب العديد من أفراد الجيش في ميانمار في روسيا، مما يعزز قدرتهم على استيعاب هذه التكتيكات والتقنيات الجديدة.
يقول أنتوني ديفيس، المحلل الأمني في مجلة جينز (Jane’s)، في تصريحات نقلتها الجزيرة، إن “القوة الجوية الروسية حاسمة للغاية لبقاء المجلس العسكري”. ويضيف أن هذه القدرات تعوض النقص في القوى البشرية وتدهور الروح المعنوية داخل الجيش، مما يسمح له بالاحتفاظ بالمراكز الحضرية الرئيسية وطرق الإمداد الحيوية. على سبيل المثال، تم رصد استخدام القنابل الانزلاقية في ولاية كاشين، وطائرات سو-30 في ولاية شان، مما يدل على النطاق الواسع للعمليات الجوية المدعومة روسيًا.
في المقابل، تواجه قوات المقاومة صعوبات جمة في مواجهة هذا التفوق الجوي والتقني. فمع افتقارها إلى أنظمة الدفاع الجوي الفعالة، تضطر هذه القوات إلى التكيف، والاعتماد على حرب العصابات، والبحث عن وسائل لمواجهة التهديد الجوي. وقد أدت الضربات الجوية العشوائية، التي غالبًا ما تستهدف مناطق مدنية، إلى ارتفاع كبير في أعداد الضحايا المدنيين، مما يزيد من معاناة السكان.
كيف غطت وسائل الإعلام الحدث
ركزت التغطية الإعلامية للحدث، كما ورد في تقرير الجزيرة الإنجليزية، على التحليل العميق للدور الروسي المتزايد في الحرب الأهلية بميانمار. وقد استند التقرير إلى آراء خبراء ومحللين أمنيين لتقديم صورة شاملة لتأثير هذا الدعم على ديناميكيات الصراع. على سبيل المثال، نقلت الجزيرة عن ديفيد ماثيسون، المحلل المستقل، قوله إن المجلس العسكري “يائس”، وأن روسيا “سعيدة ببيعهم أي شيء”. كما أشار زاكاري أبوظة، من الكلية الحربية الوطنية، إلى أن روسيا ترى في ميانمار “دولة عميلة” و”ساحة اختبار” لتكتيكاتها وأسلحتها.
أبرز التقرير كيف أن هذا الدعم الروسي لا يقتصر على توريد الأسلحة فحسب، بل يمتد ليشمل نقل الخبرات التكتيكية والاستخباراتية، مما يعكس تحولًا نوعيًا في طبيعة الصراع. وقد سلط الضوء على التحديات التي تواجهها قوات المقاومة، مثل عملية 1027، التي حققت مكاسب إقليمية كبيرة، لكنها لا تزال تعاني من ضعف الدفاعات الجوية، مما يجعلها عرضة للهجمات الجوية الروسية الصنع.
التداعيات المحتملة
إن استمرار الدعم الروسي للمجلس العسكري في ميانمار يحمل في طياته تداعيات خطيرة على المدى القصير والطويل. من المرجح أن يؤدي هذا الدعم إلى إطالة أمد الصراع وتكثيفه، مما يزيد من المعاناة الإنسانية ويؤدي إلى مزيد من النزوح والضحايا المدنيين. كما أنه يعزز من قبضة المجلس العسكري على السلطة، ويقوض أي جهود دولية للضغط من أجل استعادة الديمقراطية في البلاد.
على الصعيد الجيوسياسي، يعكس هذا التعاون تعميق العلاقات بين الأنظمة الاستبدادية، حيث تجد روسيا وميانمار أرضية مشتركة في مواجهة العزلة الدولية. وقد تتحول ميانمار إلى ساحة اختبار لتكتيكات وأسلحة روسية جديدة، مما قد يؤثر على الصراعات المستقبلية في مناطق أخرى من العالم. كما يثير هذا الوضع تساؤلات حول فعالية العقوبات الدولية والجهود الدبلوماسية في كبح جماح الأنظمة التي تتلقى دعمًا عسكريًا قويًا من قوى كبرى.
بالنسبة لقوات المقاومة، فإن التحدي الأكبر يكمن في كيفية تطوير قدرات دفاع جوي لمواجهة التفوق الجوي للمجلس العسكري. وقد يدفع هذا الوضع هذه القوات إلى البحث عن مصادر دعم بديلة أو تطوير تكتيكات أكثر ابتكارًا لمواجهة التهديد الجوي، مما قد يؤدي إلى تصعيد أكبر في مستوى العنف وتعقيد الصراع.
الخلاصة
تؤكد التقارير أن الدعم الروسي، سواء من خلال توريد الأسلحة المتطورة أو نقل التكتيكات العسكرية المستوحاة من حرب أوكرانيا، يلعب دورًا محوريًا في الحرب الأهلية بميانمار. هذا الدعم يعزز بشكل كبير قدرات المجلس العسكري، مما يمكنه من الحفاظ على تفوقه الجوي والتقني في مواجهة قوات المقاومة. وبينما يطيل هذا الوضع أمد الصراع ويزيد من معاناة الشعب الميانماري، فإنه يسلط الضوء أيضًا على تعميق العلاقات بين روسيا والمجلس العسكري، وتداعيات ذلك على الاستقرار الإقليمي والدولي. يبقى مستقبل ميانمار مرهونًا بقدرة قوات المقاومة على التكيف، وبالتطورات الجيوسياسية التي قد تؤثر على ميزان القوى في هذا الصراع المعقد.
nrd5 Free newspaper